سورة الزمر — الآية ٥٣
سبب نزولها
٤من أسباب النزول للواحدي (ت٤٦٨هـ)، وُصل بالآية بمطابقة اللفظ الذي اقتبسه بنصّ المصحف. والنصّ كما ورد بجزئه وصفحته.
عن ابن عباس قال أتى وحشي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله" قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله تعالى وزنيت، هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} إلى آخر الآية، فتلاها عليه فقال: أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (1) فدعا به فتلاها عليه، فقال: ولعلي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (2) فقال: نعم الآن لا أرى شرطا فأسلم.
قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} الآية {53} . قال ابن عباس: نزلت في أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. (1) - وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به، فنزلت هذه الآيات، وكان عمر كاتبا، فكتبها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وأولئك النفر فأسلموا وهاجروا.
(2) - أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج قال: أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن الكازري قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: أخبرنا الحجاج، عن ابن جريج قال: حدثني يعلى بن مسلم أنه سمع سعيد بن جبير بحدث عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت هذه الآية: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج. (3) - أخبرنا أبو إسحاق المقرئ قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري حدثنا أبو بكر بن خرجة حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا يونس بن بكير قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: أخبرنا نافع، عن ابن عمر عن
عمر أنه قال: لما اجتمعنا إلى الهجرة اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل فقلنا: الميعاد بيننا المناصف ميقات بني غفار، فمن حبس منكم لم يأتها فقد حبس فليمض صاحبه، فأصبحت عندها أنا وعياش وحبس عنا هشام وفتن فافتتن، فقدمنا المدينة فكنا نقول: ما الله بقابل من هؤلاء توبة، قوم عرفوا الله ورسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم من الدنيا، فأنزل الله تعالى: {يا عبادي الذين أسرفوا} إلى قوله: {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثت بها إلى هشام، قال هشام: فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى، فقلت: اللهم فهمنيها، فعرفت أنها أنزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري، فلحقت برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ويروى أن هذه الآية نزلت في وحشي قاتل حمزة رحمة الله عليه ورضوانه، وذكرنا ذلك في آخر سورة الفرقان.
التفسير الميسّر
قل -أيها الرسول- لعبادي الذين تمادوا في المعاصي، وأسرفوا على أنفسهم بإتيان ما تدعوهم إليه نفوسهم من الذنوب: لا تيئسوا من رحمة الله؛ لكثرة ذنوبكم، إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت، إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده، الرحيم بهم.