سورة النسآء — الآية ١٢٥
سبب نزولها
٢من أسباب النزول للواحدي (ت٤٦٨هـ)، وُصل بالآية بمطابقة اللفظ الذي اقتبسه بنصّ المصحف. والنصّ كما ورد بجزئه وصفحته.
وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم، نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم؛ وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله، نبينا خاتم الأنبياء، وكتابنا يقضي على الكتب التي قبله، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان بقوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} وبقوله تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} الآيتين.
قوله تعالى: {واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} {125} . اختلفوا في سبب اتخاذ الله إبراهيم خليلا: فأخبرنا أبو سعيد النضروي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن السراج قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثنا موسى بن إبراهيم المروزي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله، عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا"؟ قال: لإطعامه الطعام يا محمد". وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: دخل إبراهيم فجاءه ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، قال له إبراهيم: بإذن من دخلت؟ فقال: بإذن رب المنزل، فعرفه إبراهيم عليه السلام، فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلا، قال إبراهيم: ومن ذلك؟ قال: وما تصنع به؟ قال: أكون خادما له حتى أموت، قال: فإنه أنت. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أصاب الناس سنة جهدوا فيها، فحشروا إلى باب إبراهيم عليه الصلاة والسلام يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له، وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم، فمروا ببطحاء، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بالميرة، إنا نستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة، فملأوا تلك الغرائر رملا، ثم إنهم أتوا إبراهيم عليه الصلاة وسارة نائمة فأعلموه ذلك، فاهتم إبراهيم عليه السلام بمكان الناس، فغلبته عيناه فنام، واستيقظت سارة، فقامت إلى تلك الغرائر ففتقتها، فإذا هو دقيق أجود حوارى يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم عليه السلام فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟ قالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله لا من عند خليلي المصري، فيومئذ اتخذ الله إبراهيم خليلا. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد الجوزي قال: حدثنا إبراهيم ابن شريك قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي المهلب الكناني، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإنه لم يكن نبي إلا له خليل، ألا وإن خليلي أبو بكر". وأخبرني الشريف أبو إسماعيل بن الحسن النقيب قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن حماد قال: أخبرنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال: أخبرنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا سلمة قال: حدثني زيد ابن واقد، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اتخذ الله إبراهيم خليلا، وموسى نجيا، واتخذني حبيبا، ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي".
التفسير الميسّر
لا أحد أحسن دينا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن في قوله وعمله متبع أمر ربه، واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. وقد اصطفى الله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- واتخذه صفيا من بين سائر خلقه. وفي هذه الآية، إثبات صفة الخلة لله -تعالى- وهي أعلى مقامات المحبة والاصطفاء.