سورة المآئدة — الآية ٤
سبب نزولها
٣من أسباب النزول للواحدي (ت٤٦٨هـ)، وُصل بالآية بمطابقة اللفظ الذي اقتبسه بنصّ المصحف. والنصّ كما ورد بجزئه وصفحته.
(1) - قوله تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم} الآية {4} .
أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثني يحيى بن أبي زائدة، عن موسى بن عبيدة، عن أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، فقال الناس: يا رسول الله ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، عن أبي بكر بن بالويه، عن محمد بن شاذان، عن يعلى بن منصور، عن ابن أبي زائدة. وذكر المفسرون شرح هذه القصة قالوا: قال أبو رافع: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واستأذن عليه، فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قد أذنا لك يا جبريل"، فقال: "أجل يا رسول الله، ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب"، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع كلبا بالمدينة إلا قتلته حتى بلغت العوالي، فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها، فتركته فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فلما أمر رسول الله بقتل الكلاب جاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذ الآية؛ فلما نزلت أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها، وأمر بقتل الكلب الكلب والعقور، وما يضر ويؤذي ورفع القتل عما سواهما وما لا ضرر فيه.
(1) - وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "زيد الخير"، وذلك أنهما جاءا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل ذريح وآل أبي جويرية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب، فمنه ما يدرك ذكاته ومنه ما يقتل فلا يدرك ذكاته وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} يعني الذبائح {وما علمتم من الجوارح} يعني: وصيد ما علمتم من الجوارح، وهي الكواسب من الكلاب وسباع الطير. (2) - قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} الآية {11} . أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر المؤذن قال: أخبرنا أبو علي الفقيه قال: أخبرنا أبو لبابة محمد بن المهدي الميهني قال: حدثنا عمار بن الحسن قال: حدثنا سلمة بن الفضل قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: نعم، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قال فأقبل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمد أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: "نعم"، فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فكبته الله - عز وجل - ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: "لا"، قال: ألا تخافني وفي يدي السيف؟ قال: "يمنعني الله منك"، ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} (1) - أخبرنا أحمد بن إبراهيم الثعلبي قال: أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل منزلا وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - سلاحه على شجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله"، قال ذلك الأعرابي مرتين أو ثلاثا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: الله، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. (2) - وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: قتل رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين من بني سليم، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قومهما موادعة، فجاء قومهما يطلبون الدية، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم أجمعين، فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما، فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس هو وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لم تجدوا محمدا أقرب منه الآن، فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش بن كعب: أنا، فجاء إلى رحا عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله تعالى يده، وجاء جبريل عليه السلام وأخبره بذلك، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله تعالى هذه الآية.
التفسير الميسّر
يسألك أصحابك -أيها النبي-: ماذا أحل لهم أكله؟ قل لهم: أحل لكم الطيبات، وصيد ما دربتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يعلم، تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن لكم، واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد، وخافوا الله فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه. إن الله سريع الحساب.