القرآن الكريم•مدنية

سورة الممتحنة — الآية ١

٦٠:١•١٣ آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ١

سبب نزولها

٣

من أسباب النزول للواحدي (ت٤٦٨هـ)، وُصل بالآية بمطابقة اللفظ الذي اقتبسه بنصّ المصحف. والنصّ كما ورد بجزئه وصفحته.

قوله - عز وجل - {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية {1} . قال جماعة من المفسرين: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتجهز لفتح مكة فقال لها: "أمسلمة جئت؟ " قالت: لا، قال: "فما جاء بك؟ " قالت: أنتم كنتم الأهل والعشيرة والموالي، وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، قال لها: "فأين أنت من شباب أهل مكة"، وكانت مغنية، قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر فحث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وكتب معها إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب إلى أهل مكة، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل عليه السلام، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما فعل حاطب، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد وكانوا كلهم فرسانا، وقال لهم: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها"، فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، ففتشوا متاعها فلم يجدوا معا كتابا، فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه، وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها وكانت قد خبأته في

أسباب النزول للواحدي، ج١ ص٤٢٠.

شعرها، فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حاطب فأتاه، فقال له: "هل تعرف الكتاب؟ " قال: نعم، قال: "فما حملك على ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبا فيهم وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا. فصدقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعذره، فنزلت هذه السورة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} فقام عمر بن الخطاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". (1) - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن بن عمرو، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد بن علي، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت عليا يقول: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال: "انطلقوا حتى تأتؤا روضة خاخ فإت فيها ظعينة معها كتاب" فخرجنا تعادي بنا خيلنا فإذا نحن بظعينة فقلنا أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين ممن كان بمكة، يخبر ببعض أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما هذا يا حاطب؟ " فقال: لا تعجل علي، إني كنت امرأ

أسباب النزول للواحدي، ج١ ص٤٢١.

ملصقا في قريش ولم أكن من نفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا، والله ما فعلته شاكا في ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إنه قد صدق"، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، ونزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} رواه البخاري عن الحميدي، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وجماعة، كلهم عن سفيان. [423] قوله عز وجل: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر [6] . .

أسباب النزول للواحدي، ج١ ص٤٢٢.

التفسير الميسّر

تسمية السورة • سميت الممتحنة؛ لذكر آية امتحان النساء المهاجرات من مكة إلى المدينة فيها. من مقاصد السورة • تحذير المؤمنين من موالاة الأعداء، وتنبيههم على انتهاز أعدائهم فرصة الوقيعة بهم، وأن ما بينهم وبين المشركين من أواصر القرابة لا يعتد به تجاه العداوة في الدين. • وجوب امتحان المؤمنات اللاتي يأتين مهاجرات، وبيان ما يترتب على ذلك الامتحان إن ثبت إيمانهن، وحكم مبايعة المؤمنات المهاجرات، وشروط هذه البيعة. [التفسير] يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا عدوي وعدوكم خلصاء وأحباء، تفضون إليهم بالمودة، فتخبرونهم بأخبار الرسول ﷺ، وسرائر المسلمين، وهم قد كفروا بما جاءكم من الحق من الإيمان بالله ورسوله وما نزل عليه من القرآن، يخرجون الرسول ويخرجونكم -أيها المؤمنون- من «مكة»؛ لأنكم تصدقون بالله ربكم، وتوحدونه، إن كنتم -أيها المؤمنون- هاجرتم مجاهدين في سبيلي، طالبين مرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، تفضون إليهم بالمودة سرا، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أظهرتم، ومن يفعل ذلك منكم فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وضل عن قصد السبيل.

التفسير الميسّر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. النصّ كما ورد.

بقيّة التفاسير

١٧
‹ الآية ١ من ١٣ الآية ٢ ›