سورة المنافقون — الآية ٨
سبب نزولها
١من أسباب النزول للواحدي (ت٤٦٨هـ)، وُصل بالآية بمطابقة اللفظ الذي اقتبسه بنصّ المصحف. والنصّ كما ورد بجزئه وصفحته.
واعتذر، فصدقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذبني، فجاء إلي عمي فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذبك المسلمون، فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط، فبينا أنا أسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أتاني فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الدنيا، فلما أصبحنا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة المنافقين: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} حتى بلغ {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} حتى بلغ {ليخرجن الأعز منها الأذل} قال أهل التفسير وأصحاب السير: غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني المصطلق، فنزل على ماء من مياههم يقال له: المريسيع، فوردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جهجاه بن سعيد يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان الجهني حليف بني عوف من الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، فأعان جهجاها رجل من المهاجرين يقال له "جعال"؛ وكان فقيرا. فقال له عبد الله بن أبي: وإنك لهناك! فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟! واشتد لسان جعال على عبد الله. فقال عبد الله: والذي يحلف به لأذرنك، ويهمك غير هذا شيء؟. وغضب عبد الله، فقال: والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، إنا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم؛ أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام، لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم؛ فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد. قال زيد بن أرقم - وكان حاضرا ويسمع ذلك -، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن، ومودة من المسلمين؛ والله لا أحبك بعد كلامك هذا. فقال عبد الله: اسكت، فإنما كنت ألعب. فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب. فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله. فقال: "إذن ترعد له أنف كبيرة بيثرب". فقال عمر: فإن كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين، فمر سعد بن عبادة أو محمد بن مسلمة، أو عبادة بن بشر - فليقتلوه. فقال: "إذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبد الله بن أبي فأتاه، فقال له: "أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ " فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من هذا قط، وإن زيدا لكاذب. وكان عبد الله في قومه شريفا عظيما؛ فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون وهم في حديثه فلم يحفظ. فعذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفشت الملامة في الأنصار لزيد وكذبوه، وقال له عمه: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ومقتوك. فاستحيى زيد بعد ذلك أن يدنو من النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما ارتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيه أسيد بن حضير، فقال له: أو ما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي؟ قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال أسيد: فأنت يا رسول الله - والله تخرجنه إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه؛ وإنه ليرى أنك سلبته ملكا. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه؛ فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه! فوالله لقد علمت الخزرج ما بها رجل أبر بوالديه مني، وأنا أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بل نحسن صحبته ما بقي معنا".
التفسير الميسّر
يقول هؤلاء المنافقون: لئن عدنا إلى «المدينة» ليخرجن فريقنا الأعز منها فريق المؤمنين الأذل، ولله تعالى العزة ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين بالله ورسوله لا لغيرهم، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك؛ لكثرة جهلهم.