سورة التوبة — الآية ١٠٣
سبب نزولها
٢من أسباب النزول للواحدي (ت٤٦٨هـ)، وُصل بالآية بمطابقة اللفظ الذي اقتبسه بنصّ المصحف. والنصّ كما ورد بجزئه وصفحته.
حقه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اللهم ارزق ثعلبة مالا"، فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلاة إلى الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما فعل ثعلبة؟ " فقالوا: اتخذ غنما وضاقت عليه المدينة وأخبروه بخبره، فقال: "يا ويح ثعلبة" ثلاثا، وأنزل الله - عز وجل - {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} وأنزل فرائض الصدقة، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين على الصدقة رجلا من جهينة ورجلا من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة، وقال لهما: مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي، فانطلقا وأخبرا السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذه منك، قال: بلى خذوه فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي إبلي. فأخذوها منه، فلما فرغا من صدقتها رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما حتى أنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبروه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله - عز وجل - {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} إلى قوله تعالى: {بما كانوا يكذبون} وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي عليه الصلاة والسلام فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: "إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني"، فلما أبى أن يقبل منه شيئا رجع إلى منزله، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى أبا بكر - رضي الله عنه - حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟ فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، فلما ولي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا أبو بكر أنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها، وقبض عمر - رضي الله عنه - ثم ولي عثمان - رضي الله عنه - فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقبلها ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها عثمان، فهلك ثعلبة في خلافة عثمان - رضي الله عنه -.
قال ابن عباس في رواية الوالبي: نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ثم ندموا على ذلك، وقالوا: نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون الرسول هو الذي يطلقنا ويعذرنا، وأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بهم فرآهم، فقال: "من هؤلاء؟ " قالوا: هؤلاء تخلفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين"، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلوات الله عليه وأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقهم قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا"، فأنزل الله - عز وجل - {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} الآية. وقال ابن عباس: كانوا عشرة رهط.
التفسير الميسّر
خذ -أيها النبي- من أموال هؤلاء التائبين، الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا صدقة تطهرهم من دنس ذنوبهم، وترفعهم عن منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم واستغفر لهم منها، إن دعاءك واستغفارك رحمة وطمأنينة لهم. والله سميع لكل دعاء وقول، عليم بأحوال العباد ونياتهم، وسيجازي كل عامل بعمله.