سورة الحجرات — الآية ٤
سبب نزولها
٣من أسباب النزول للواحدي (ت٤٦٨هـ)، وُصل بالآية بمطابقة اللفظ الذي اقتبسه بنصّ المصحف. والنصّ كما ورد بجزئه وصفحته.
(1) - قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} {4} .
أخبرنا أحمد بن عبيد الله المخلدي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن زياد الدقاق قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا محمد بن يحيى العتكي قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: حدثنا داود الطفاوي قال: حديثنا أبو مسلم البجلي قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أتى ناس النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلموا فجعلوا ينادونه وهو في الحجرة: يا محمد، يا محمد. فأنزل الله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} وقال محمد بن إسحاق وغيره: نزلت في جفاة بني تميم، قدم وفد منهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخلوا المسجد، فنادوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من وراء حجرته: أن اخرج إلينا يا محمد، فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فآذى ذلك من صياحهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج إليهم، فقالوا: إنا جئناك يا محمد نفاخرك، ونزل فيهم:
{إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} وكان فيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم. (1) - وكانت قصة هذه المفاخرة على ما أخبرناه أبو إسحاق أحمد بن محمد المقرئ قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن السدوسي قال: حدثني الحسن بن صالح بن هانئ قال: حدثنا الفضل بن محمد المسيب قال: حدثنا قاسم بن أبي شيبة. قال: حدثنا معلى بن عبد الرحمن قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت بنو تميم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنادوا على الباب: يا محمد، اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج إليهم وهو يقول: "إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين"، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا"، فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم قم فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فقال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض ومن أكثرهم عدة، ومالا وسلاحا، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن شماس: "قم فأجبه"، فقام فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به، وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوها وأعظمهم أحلاما - فأجابوه، فالحمد لله الذي جعلنا أنصاره ووزراء رسوله وعزا لدينه، فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قالها منع منا نفسه وماله، ومن أباها قتلناه، وكان رغمه في الله تعالى علينا هينا، قول قولي هذا وأستغفرالله للمؤمنين والمؤمنات، فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبانهم: قم يا فلان فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام الشاب فقال: نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... فينا الرءوس وفينا تقسم الربع ونطعم الناس عند القحط كلهم ... من السديف إذا لم يؤنس القزع إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع قال: فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حسان بن ثابت، فانطلق إليه الرسول فقال: وما يريد مني وقد كنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم وخطيبهم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن قيس فأجابهم وتكلم شاعرهم، فأرسل إليك تجيبه. فجاء حسان، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبه فقال حسان: يا رسول الله مره فليسمعني ما قال. فأنشده ما قال، فقال حسان: نصرنا رسول الله والدين عنوة ... على رغم باد من معد وحاضر ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر ونضرب هام الدارعين وننتمي ... إلى حسب من جذم غسان قاهر فلولا حياء الله قلنا تكرما ... على الناس بالخيفين هل من منافر
التفسير الميسّر
إن الذين ينادونك -أيها النبي- من وراء حجراتك بصوت مرتفع، أكثرهم ليس لهم من العقل ما يحملهم على حسن الأدب مع رسول الله ﷺ، وتوقيره.